Almustaqbal June 2009

المؤتمر الوطني الثاني لتربية النحل بغياب “الزراعة”:
تراجع الغطاء النباتي وتفشي ظاهرة اختفاء الخلايا









سارة مطر

تعدّ النحلة اللبنانية، ذلك المستشعر العالمي البيئي، في مهب الضياع، حيث يتعرض قطاع تربية النحل الى التدهور والتراجع سنة بعد سنة وتعاونيات النحل تترنح من التسييس الى التشرذم والتفكك فإلى الترهل وغياب الدور الرعائي لوزارة الزراعية التي عجزت وبعد مرور 8 سنوات على انعقاد المؤتمر الوطني الأول لتربية النحل عن تنفيذ التوصيات الرامية الى إرساء خطة وطنية شاملة لتطوير وتحسين القطاع في لبنان.
ومنذ ذلك الحين، حصلت تطورات رئيسية تتعلق بهذا القطاع منها تدهور نظام المكافحة المتكاملة للآفات والإنذارات العالمية المتتالية من ظاهرة اختفاء الخلايا الذي وصلت آثاره الى لبنان ومنطقة الشرق الأوسط وتراجع الغطاء النباتي وازدياد التمدن وإتلاف الأحراج وصعوبات وقيود أخرى في الإنتاج والتسويق وخسارة 12 ألف خلية نحل في حرب تموز/ يوليو 2006 من دون أي تعويض تلحظه الوزارة.
وكانت كلية العلوم الزراعية والغذائية في الجامعة الأميركية في بيروت (AUB)، نظمت المؤتمر الوطني الثاني لتربية لنحل بعنوان “لوقف ظاهرة اختفاء الخلايا” بمشاركة تعاونيات النحالين والمنظمات غير الحكومية والنحالين وبحضور بروتوكولي لوزارة الزراعية بعد أن كانت الراعية والمبادرة لعقد المؤتمر الوطني الأول الذي نظم في العام 2001 والذي تخلّت الوزارة عن تطبيق توصياته، فبادر النحالون المحليون وبعض المنظمات غير الحكومية الداعمة الى تنفيذ جزء منها، لكنها بقيت جهوداً معزولة لم ترتق الى مستوى أوسع من التعاون.
وهدف المؤتمر الثاني الى إطلاق خطة مدروسة لتحسين قطاع تربية النحل وتكثيف الجهود الداعمة لها وإلى إعداد المسودات ذات الصلة والتحضير لإعداد الكتاب العلمي الأول للنحالين في لبنان ـ دليل تربية النحل باللغة العربية.
استهل المؤتمر بالنشيد الوطني وترحيب من المنسق العام والمحاضر في تربية النحل في الكلية رامي عليق الذي لفت الى “أن ظاهرة اختفاء الخلايا اجتاحت العالم بدءاً من الولايات المتحدة الأميركية ومروراً بأوروبا ثم آسيا ومناطق أخرى من العالم وذلك منذ أواسط العام 2006، وقد أثارت العالم لحدتها وسرعة انتشارها وعادت بالضرر على المزارعين وجمهور المستهلكين وليس فقط على النحالين، من دون أن تحدد بعد أسباب رئيسية واضحة للظاهرة إنما اقتراحات أسباب هي التغير المناخي والأداء في عمليات إدارة الخلايا من نقل الخلايا الى استبدال الملكات والتأصيل واستعمال المبيدات سواء على النحل أو على المحاصيل الزراعية واضمحلال الغطاء النباتي والتلوث”.
ورأى “أن قسماً من هذه الأسباب يمكن معالجته عبر أنظمة إدارة المناحل للحد من انتشار هذه الظاهرة، لأنه كما يقول الفيلسوف أينشتاين “إذا فُقد النحل من على وجه الكرة الأرضية يبقى عندها 4 سنوات فقط أمام الإنسان للعيش”.
وأكد عليق “أنه ليس لنا ملاذ سوى تفعيل وزارة الزراعة والتقدم بها لتأخذ دورها رغم كل الترهل الذي أصاب عملها، مشيراً الى تفاجئه بأن الخطة الصادرة عن المؤتمر الأول قد استبدلت بشراء دواء بصفقة، ثبت، أنه غير مجد للاستعمال، وبهذا طارت الخطة بكاملها وطارت معها الموازنة المرصودة.
وأثنى رئيس دائرة العلوم الزراعية في الكلية عصام بشور على فرض الحكومة تعرفة جمركية تعادل 8 آلاف ليرة لبنانية على كل كيلوغرام من العسل المستورد، كخطوة فعالة لحماية إنتاج العسل المحلي، وقد شاهدنا منذ عام 2001 وحتى الآن ازدياداً في نشاط المؤسسات الخاصة والتعاونيات وجمعيات النحالين والمنظمات غير الحكومية لتطوير هذا القطاع، وحصلت نجاحات عدة ولكن من دون إتباع خطة موحدة.
وأكد “أن ظاهرة اختفاء الخلايا تستوجب إعارتها أهمية استثنائية لما لها من أضرار على الإنتاج الزراعي بشكل عام، خصوصاً من ناحيتي التلقيح الخلطي للأزهار والتنوع البيئي”.
وتحدث الأمين العام المساعد لاتحاد النحالين العرب حسين عواضة عن “وضع تعاونيات النحل في لبنان”، فاعتبر “أن النحلة اللبنانية في مهب الضياع وأن القطاع في لبنان يتدهور ويتراجع، فالفارواز استعصت على المبيدات، والتكلس ينتشر ببطئ ومن دون رادع، والنيوزما ومرضى الحضنة الأوروبي والأميركي يفتكون بالمناحل أحياناً كثيرة، والمبيدات المستعملة داخل الخلايا ملوثة للعسل ومميتة للنحل أكثر الأحيان حتى ولو صنعت في أهم المختبرات العالمية. فأحياناً يخطئ المنتج ولا يأخذ في الاعتبار المناخ والبيئة اللبنانية فيستعملها النحال اللبناني حسب الإرشادات المرفقة فيتفاجأ بخسارة 30 ـ 40 في المئة من قفرانه كما حدث للنحل عندما وزعت وزارة الزراعية الأسيد فورميك والابيلايفار على النحل رغم أنهما منتجان معتمدان من قِبَل المختبرات الألمانية والفرنسية”.
وقال: “وفي هذه الأيام انتشرت ظاهرة هروب النحل وهجرته قفرانه والتي تضاربت الآراء والأبحاث الجامعية حولها. هل الإشعاعات الكهرمغناطيسية لمحطات الهاتف النقال والأجهزة اللاسلكية هي السبب أم تعقيم البذور أو التعديل الوراثي للنباتات أو مشاكل تقنية لعدم خبرة النحال؟ وهل أن الفيروس الإسرائيلي المكتشف حديثاً هو المسؤول أم أن هناك وباء جديد كما يقول الإسبان يفتك بالنحل، أم هو التقلّب المناخي؟”.
وتابع: “وكما وضع النحلة فإن حال التعاونيات النحلية في لبنان قد أصابها الترهل ونسيها من هو مسؤول عنها لا بل تسلّط عليها في كثير من الأحيان، وانعدمت الثقة وأصبح النحال بواد والتعاونية بواد آخر هذا وغزتها السياسات وأمعنت فيها فساداً، وللنهوض بهذه التعاونيات فإن الجميع مدعوين للانضمام إليها لتفعيلها”.
ورأى ضرورة “أن نقيم، أسوة بالبلدان المتقدمة، علاقة علمية بين الجامعات في لبنان وبين التعاونيات والجمعيات والنقابات النحلية لمواجهة التحديات من خلال إنشاء مركز أبحاث يعنى بأمراض النحل وبترشيد استعمال المبيدات على خلايا النحل من جهة وبتأصيل وتحسين السلالة المحلية أو استبدالها إذا دعت الحاجة العلمية لذلك، وتكون مسؤولية الجمعيات التطبيق العملي ونقل المعاناة ومسؤولية الجامعات البحث العلمي والنظري الذي يتطابق مع حاجة النحالة ومع المستجدات الطارئة على النحل”.
وتوجه الى وزارة الزراعية والجمعيات والمؤسسات الإنسانية “أن تتبنى هذا المركز الذي سينعكس إيجاباً على تربية النحل وعلى مستوى كل الوطن”.
وأوضح ممثل وزارة الزراعية رمزي المغربي “أن قطاع تربية النحل في لبنان يمر اليوم بمشاكل كبيرة والحل الأساسي للنهوض بالقطاع هو الانتقال من تربية النحل كمبتدئين وغير متفرغين الى متفرغين، نعتمد عليها كمورد عيش عبر رفع المستوى التقني لإدارة عدد القفران وامتلاك القدرة المالية”، مؤكداً ضرورة استبدال الملكات سنوياً نظراً لارتباط عمر الملكة بمخزون البيض لديها. ولفت الى أن أهم المشاكل الموجودة هي في أن غالبية النحالين يعتمدون على الملكات التطريد أو الأجنبية، بحيث لم نعد نعرف سلسلة النحل، إلا أن النحال المحترف يستطيع إدارة أي سلالة نحل، متطرقاً الى قضية المرعى والرش والحرائق التي تشكل وحدها مصيبة وإلى قضية تشخيص أمراض النحل، حيث لا يتم عندنا فحص العينات كما في دول أخرى، بالإضافة الى غياب التجديد بالمرشدين وهذا ما يتطلب الخبرة والأموال، وإلى تأثر القطاع بحرب تموز/ يوليو 2006 وبأحداث مخيم نهر البارد”.
وختم بالقول: “لا تربطوا أنفسكم بالدولة بل إعملوا بمبادرات فردية، لأن القطاع يتخبط بصعوبات كبيرة”.
وعرضت الطالبتان في الكلية رنا اليماني وفرح القماطي لـ”تربية النحل في إسرائيل مقابل تربية النحل في العالم العربي”، فأوضحتا أن معدل إنتاج الخلية السنوي في لبنان لا يتعدى الـ10 كلغ بينما يبلغ الـ40 كلغ في إسرائيل، بسبب مكافحة إسرائيل التصحر وزيادة مساحات الغابات، وخصوصاً عبر زراعة الأشجار ذات الغنى الرحيقي ووجود مجلس متخصص بالعسل يربط ما بين المنتج والمستهلك بشكل فاعل وقدرة تجمعات النحالين على تحقيق مطالب عمليات الإنتاج وعلى التعاون مع المزارعين عبر تقديم خدمة تلقيح الأزهار مقابل بدل وعلى التأثير على الحكومة لجهة التشريعات ذات الصلة. وهذه العوامل غائبة في لبنان وكثير من الدول العربية.
وتحدث الأستاذ المساعد في الاقتصاد الزراعي في الكلية جاد شعبان عن “إنتاج العسل: نموذج للإنتاج الزراعي والصناعي حسب تعريف منظمة التجارة الدولية”، فعرض الفرص والموانع القائمة في وجه تطوير القطاع في لبنان والإنتاجية والمردود والتبادل مع أهم الشركاء التجاريين وأنماط الاستهلاك في الشرق الأوسط بشكل عام وفي لبنان بشكل خاص، متطرقاً الى السياسات الاقتصادية والزراعية لقطاع النحل، أنواع السياسات، التعرفة الجمركية وآليتها، ودور التعاونيات كأداة لتطوير القطاع. وتحدث عن تحرير التجارة فيما يقدمه من طرح للرفع التدريجي للتعرفة الجمركية على العسل ما بين 2010 و2015 وتأثيرات ذلك على قطاع إنتاج العسل.
وتطرق أستاذ علم النبات في الكلية مصطفى حيدر الى “منتجات الخلية والمحاصيل الزراعية، عامل مساعد للزراعة المستدامة”، فرأى أن العلاقة ما بين النحل والنباتات تعود الى ملايين السنين، فالنحل هو مؤشر جيد لبيئة سليمة. ولكن للأسف، وبسبب التغيير الحاصل في بيئتنا من تلوث بالمبيدات والطرق الزراعية الحديثة التي تقلل من الأعشاب البرية وهي المأوى الطبيعي للنحل، يشهد العسل أزمة في الإنتاج. ومن بين الحلول التي يمكن اعتمادها للحد من هذه الأزمة المكافحة المتكاملة للآفات (IPM)، لعلاج فعال من الأمراض والطفيليات، إنشاء خطة تعاضد بين تربية النحل وإنتاج الأعشاب البرية والمحاصيل. ومن أهم النباتات البرية التي يمكن إدخالها في هكذا تعاضد: الخطمي، القصعين، النفل الأبيض، الاقاقيا، العليق، النعنع، اكليل الجبل والصعتر. وقد اثبتت التجارب ان الصعتر هو النبات الأمثل، فهو عشبة عطرة ينتج زيوتاً طبية عالية الجودة ويقلل من تلوث المياه الجوفية الناجم عن الإفراط في تسميد النتروجين.
وتحدث أستاذ العلوم الزراعية في الكلية يوسف أبو جودة عن “المبيدات الزراعية والنحل في ظل ظاهرة إختفاء الخلايا”، فأشار الى أن هذه الظاهرة تترافق مع عوارض أخرى مثل فقدان أو ضعف الذاكرة وضعف جهاز المناعة حيث تصاب العاملات بأمراض كثيرة لا تصاب بها عادة وأهمها أمراض فيروسية وأخرى تصيب الجهاز المعدوي وقد قضى هذا المرض على نسبة 30 ـ 35 في المئة من قفران النحل في بعض الولايات المتحدة الأميركية، ولغاية الآن لم يعرف المسبب الرئيسي لهذه الظاهرة انما يشك بأمور عدة منها: أمراض حديثة، التلوث البيئي، التغييرات في تربية النحل، النبات المعدل وراثياً أو المبيدات الزراعية.
وتطرق الى تأثير المبيدات الزراعية على النحل والطرق المتبعة لتخفيف ضررها، خصوصاً عدم أو تجنب الرش أثناء الازهار واستعمال مبيدات صديقة للبيئة وغير ضارة للنحل.
وتركز النقاش على أهمية أن تعود التعرفة الى النحالين لدعمهم لا أن تتبدد مع الأموال المختلفة داخل وزارة الزراعة، وعلى أن النحال يُحاسب على نصف كمية العسل أو أكثر إذا ما وضع قفيره في الغابات للمساهمة في التلقيح على عكس دول أخرى مثل إسرائيل التي تدفع للنحال أجرة إعارتها قفيره وتعطيه كل العسل.
وفي حديث الى “المستقبل”، يؤكد عليق أن المؤتمر يشكل مبادرة علها تعوض تقصير وزارة الزراعة في ظل التسييس القوي وغياب الموارد اللازمة، وصولاً الى وضع خطة متكاملة جامعة بين الموارد المالية للمنظمات غير الحكومية وخبرات وإمكانيات تعاونيات النحل.
ويعتبر عواضة أن البيئة مرتبطة بالنحل وأن الغطاء النباتي له علاقة مباشرة بالتلقيح الخلطي، والنحلة هي مستشعر عالمي بيئي تتأثر بالعوامل البيئية المناخية وتغيراتها الدائمة، مؤكداً “أن وضع النحل في لبنان يسير الى الأمام في حين أن وضع الوزارة سيء جداً”.
ويقول رئيس جمعية حماية وتنمية تربية النحل (APIS) صعب وهبة: “إن النحلة لا تتأذى إلا من البيئة وبقدر ما تأخذ منها غذاء بقدر ما تنفعها بتلقيح الأزهار وتفيد النحالين عبر إعطاء العسل والهلام الملكي وغبار الطلع و”العكبر” وهذا ما يؤدي الى غذاء طبيعي في وقت الإنسان هو بأمسّ الحاجة له بعيداً عن المأكولات المعلبة والمصنعة.
ويرى “أن النحال يعاني من رش المبيدات الزراعية دون مسؤولية، ما يؤثر على موت الخلايا وموت النحل وتلوث العسل وتراجع الإنتاج والغطاء النباتي في ظل التمدد العمراني ومشاكل الأمراض التي تصيب النحل.
ويشير الى أن وزارة الزراعة، ونظراً لقلة الموازنة المرصودة لقطاع النحل، يقتصر عملها على توزيع الأدوية وبتقصير عن بعض النحالين حيث لا يصلهم الدواء، أو بغياب الإرشادات والتوجيهات اللازمة من قبل الوزارة لكيفية استعمال الدواء، ما أدى الى القضاء على عدد من الخلايا.
ويعتبر أستاذ الزراعة في الجامعة اللبنانية داني عبيد أن تعاونيات النحل والمنظمات المهتمة تعمل دون أي تنسيق للجهود على عكس خلية النحل المتميزة بالكثير من التماسك والتعاون مشدداً على ضرورة الانتقال من تربية النحل كهواية الى متخصصين وعلى أهمية الدور الذي تلعبه الجامعات ومصلحة الأبحاث في مجال سد النقص في الأبحاث الزراعية وذلك عبر شراكة حقيقية بين مختلف المعنيين بحيث يتم الاستفادة من المنشورات العلمية والإصدارات والبحوث والجداول والخرائط المنجزة في هذا المجال.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s